ابن خلدون
170
رحلة ابن خلدون
عن المسلمين جزاءه . وكتب إلي من غرناطة : يا سيّدي ووليّي ، وأخي ومحلّ ولدي ! كان الله لكم حيث كنتم ، ولا أعدمكم لطفه وعنايته . لو كان مستقرّكم بحيث يتأتّى لي إليه ترديد رسول ، أو إيفاد متطلّع ، أو توجيه نائب ، لرجعت على نفسي باللائمة في إغفال حقّكم ، ولكنّ العذر ما علمتم ، واحمدوا الله على الاستقرار في كهف ذلك الفاضل الذي وسعكم كنفه . وشملكم فضله شكر الله حسبه الذي لم يخلف ، وشهرته التي لم تكذب . وإنّي اغتنمت سفر هذا الشيخ ، وافد الحرمين بمجموع الفتوح ، « 524 » في إيصال كتابي هذا ، وبودّي لو وقفتم على ما لديه من البضاعة التي أنتم رئيسها وصدرها ، فيكون لكم في ذلك بعض أنس ، وربّما تأدّى ذلك في بعضه ممّا لم يختم عليه ، وظاهر الأمور نحيل عليه في تعريفكم بها ، وأما البواطن فممّا لا يتأتّى كثرة وضنانة ، وأخصّ ، بالصاد ، ما أظن تشوّفكم إليه حالي . فاعلوا أنّي قد بلغ بي الماء الزّبى ، « 525 » واستولى علي سوء المزاج المنحرف ، وتوالت الأمراض ، وأعوز العلاج ، لبقاء السبب ، والعجز عن دفعه . وهي هذه المداخلة جعل الله العاقبة فيها إلى خير ؛ ولم أترك وجها من وجوه الحيلة إلا بذلته . فما أغنى ذلك عنّي شيئا ، ولولا أنني بعدكم شغلت الفكر بهذر التأليف ، مع الزّهد ، وبعد العهد ، وعدم الإلماع بمطالعة الكتب ، لم يتمشّ حالي من طريق فساد الفكر إلى هذا الحد ، وآخر ما صدر عنّي كنّاش « 526 » سميته
--> ( 524 ) كانت عادتهم أن يبعثوا بأخبار فتوحهم ، وتوسعاتهم التي تحصل في كل سنة ، وفي عهد كل ملك ، يبعثون بها إلى الملوك المعاصرين عامة ، وإلى الحرم النبوي بوجه خاص . وإلى هذا يشير ابن الخطيب . ( 525 ) الزبى : جمع زبية ؛ وهي الرابية التي لا يعلوها الماء ، فإذا بلغها السيل كان جارفا مجحفا . وهو مثل يضرب للشيء يتجاوز الحد ويتفاقم . مجمع الأمثال 1 / 60 ، لسان ( زبى ) . ( 526 ) الكناش : الدفتر تقيد فيه الفوائد والشوارد للضبط ، يستعمله المغاربة كثيرا إلى اليوم . وانظر تاج العروس 4 / 347 .